سوزان الجاف

محبتكم في القلب


    قراءة جديدة لملحمة كلكامش

    شاطر
    avatar
    حسن الشمري

    المساهمات : 30
    تاريخ التسجيل : 21/06/2013
    العمر : 26
    الموقع : بابل

    رد: قراءة جديدة لملحمة كلكامش

    مُساهمة من طرف حسن الشمري في الجمعة يونيو 21, 2013 7:58 pm

    وكان وصولُنَا إلى المدينةِ (يعني المنَوَّرَةِ) وَقْتَ الظهرِ والمؤَذِّنُ يؤذِّنُ وكان خروجُنَا عِنْدَ ارتفاعِ الشَّمسِ فقلتُ أبالله العَجَب كُنَّا في جَبَلِ قافٍ مسيرةَ خمسِ سنينٍ وعُدْنَا في خمسِ ساعاتٍ من النَّهَار؟؟!).
     بالطبعِ يمكنُ للمرءِ أنْ يقولَ: ( وكيفَ أُصَدِّقُ أنَّ السحابَةَ تَحْمِلُ الإنسانَ في الفَضَاء؟). لكنَّهُ يَنْسَى في واقعِ الأَمْرِ أنَّ (السحابَةَ) ليست هي من نوعِ السحب التي يَرَاها عادةً. فَمَنْ هو الذي أَعْطَاهُ الحَقَّ في تحجيمِ مَعْنَى المُفْرَدَةِ لِيَخُصَّ بها ما يعجبُهُ أو ما يتصوَّرَهُ في ذهنِهِ وحَسْبُ دونَ سِواهُ من المعاني؟. فهنا تَكْمِنُ مشكلَةُ الاعتباطِ اللغويِّ، لأنَّنَا إذا افْتَرَضْنَا أنَّنَا نقابِلُ رَجُلاً ماتَ مُنْذُ قرونٍ وسَألناهُ: ( ما مَعْنَى (سيارة)؟، فإنَّهُ سيقولُ: (معناها القومُ السائرون والجماعة السائرة). وإذا حَقَّقْنَا مَعَهُ كثيراً فَلَنْ يَصِفَ لنا في كلِّ الأحوالِ (السيارةَ) التي في أذهانِنَا ذاتَ المُحَرِّكِ والعَجَلاتِ!.
    فهنا احتمالانِ فَقَطْ: إمَّا أنْ يَحُقَّ لنا أنْ نُسَمِّيها سيارةً لأنَّها تقومُ بِفِعْلِ السَّيْرِ وإمَّا لا يَحُقُّ لنا ذلكَ.
    وبالطبعِ يَحُقُّ لنا أنْ نُسَمِّيها سيارةً.. فلماذا يَحُقُّ لنا استعمالُ مُفرداتِ القُدَمَاءِ لِمَا لَمْ يستعملوه مطلقاً ولا يَحُقُّ لهم استعمالُ مُفردات ِاللغة لِمَا لا نَعْرِفُهُ مِنَ الأشياءِ؟
    نعم.. لو قَرَأْتَ مُؤَلفاتِنَا اللغويةَ الأُخرى لأنكشَفَ لك الأمْرُ. فثَمَّةُ محاولاتٌ قديمةٌ متجدِّدَةٌ لإبعادِنَا عن الفَهْمِ الصحيحِ للغةِ كي لا نكتشِفَ المراميَّ المزبورةَ في النصوصِ ذاتِ الخطورةِ.
    وبالتأكيدِ فإنَّ (السحابةَ) التي رَكَبَهَا الوليُّ وجماعَتُهُ هي (سحابةٌ) على أصْلِ المعنى تقومُ بِفِعْلِ السَّحْبِ ولا علاقةَ لَهَا بالغيومِ، والدليلُ على ذلكَ أنَّهُم رأوا الأرضَ كالدرهمِ، وهو عَيْنُ مَنْظَرِهَا التي تُرى فيه من الفَضَاء في زَمَنٍ كانَ عِلْمُ الفُلْكِ فيه يَعْتَمِدُ على (قُبَّةِ بطليموس) حيثُ السَّمَاء قُبَّةٌ مضروبةُ الإطنابِ كالخيمةِ على الأرضِ المسطَّحَةِ وَقَدْ عُلِّقَتْ فيها النجومُ كَمَا تُعَلَّقُ القناديلُ في الخيمةِ!!.
     
     
     
    السَّادِسُ: التَشَابِهُ بَيْنَ جَبَلِ ذي القرْنَينِ وَجَبَلِ جلجامشَ
     
    يَرْحَلُ جلجامشُ في العمودِ الأولِ من اللَّوحِ التاسعِ باتِّجاهِ مَطْلَعِ الشَّمسِ. وهذه العبارَةُ يَجِبُ أنْ لا نَفْهَمَ منها أنَّهُ أتَّجَهَ نَحْوَ المَشْرِقِ!. فالعبارَةُ دقيقةٌ جداً فهي تشيرُ إلى أنَّهُ أتَّخَذَ مَسَارَ الشَّمسِ من مَطْلِعِها اتِّجاهَاً للحركةِ. فَكَمَا تَسيرُ الشَّمسُ من المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ بالنسبةِ لنا فهو يتحَرَّكُ بهذا القوسِ. ولذلك أختلفَ التعبيرُ عَنْهَا في القرآنِ الكريمِ حيثُ أشار في الرحلةِ الأولى إلى مَغْرِبِ الشَّمس. وهذا يعني في الحالتين أنَّهُ يَسيرُ بِقَوسٍ من المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ باتِّجَاهِ الكواكبِ الخارجيةِ وأقْمَارِهَا أي المريخ ـ والمشتري ـ وزحل… ولمَّا كانت نهايةُ اللَّوحِ مُهَشَّمَةً فإنَّهُ يَصِلُ إلى جَبَلٍ غَريبِ الهَيئَةِ يُعْتَبَرُ بالنسبةِ لنا مفاجئاً.
    واللَّوحُ التاسعُ متضرِّرٌ بصفَةٍ عامَّةٍ بقَدَرِ السّطورِ المفقودةِ فيه حيثُ يقَدِّرُ طه باقر الأسْطُرَ التالفةَ من العمودِ الأوَّلِ بما لا يَقِلُّ عن (32) سطراً حيثُ قَالَ خلالَ الترجمَةِ:
    (ثمَّ بَلَغَ جلجامشُ جَبَلاً عظيماً) والعبارةُ هذِهِ لباقرَ.
    ثمَّ قَالَ: (هنا انخرامٌ بِنَحْوِ 32 سطراً يدِلُّ ما بَقِيَ مِنْهُ أنَّ جلجامشَ بَلَغَ الجِبَالَ التي سيأتي وَصْفُهَا).
    (وكانَ اسمُ الجَّبَل ماشو) هذِهِ هي أوَّلُ عبارَةٍ من العمودِ الثاني، وعليهِ فالجُزْءُ المُهَشَّمُ يَتَضَمَّنُ وَصْفَاً مُسهِبَاً لكيفيةِ وصولِهِ إلى الجَّبَل ماشو وإلى أشياءٍ أخرى يَصْعُبُ التَكَهُّنُ بها.
    أما قَبْلَ ذلكَ فَقَدْ حَدَثَتْ معركةٌ ما مَعَ أجسامٍ تَسْتَخْدِمُ الإضاءَةَ أو الأَشِعَّةَ!. وهذا يَدِلُّ دلالةً كافيةً على تَشَابهِ الرحلتين الأولى والثانيةِ بَيْدَ أنَّهُم تَرْجَموهَا إلى (الأُسودِ) وأنَّ جلجامشَ رآها في حِلْمٍ وهي تَمْرَحُ فاسْتَلَّ سيفَهُ وانقَضَّ عليها وجَعَلَهَا تَفِرُّ مِنْهُ!.
    هذِهِ هي الترجمَةُ:
    رأيتُ الأُسودَ فَتَمَلَّكَني الرُّعْبُ
    رَفَعْتُ رأسي إلى (سينَ) وصلَّيْتُ لَهُ
    وفي المساءِ أضْطَجَع فأيقظَهُ حِلْمٌ رَآهُ
    رأى (الأُسودَ) حَوْلَهُ تَمْرَحُ مَسْرورةً
    في ضوءِ سينٍ (القمر)
    رَفَعَ فأسَهُ بيدِهِ واستَلَّ سيفَهُ من غَمْدِهِ
    وانقَضَّ عليهِم كالسَّهْمِ
    فَضَرَبَهَا وجَعَلَهَا تَفِرُّ مِنْهُ
    ولكنَّنا لا نَجِدُ أصلاً لمِثْلِ هذِهِ الترجمَةِ في النصِّ. فالسَّطْرُ (13) لم يَبْقَ مِنْهُ سوى مفردتان: (فاستلقى ـ  خائفاً) وما بَعْدَهُ فيه مفردتان: (فَرِحينَ بالحياة) والذي يليه هو: (أَخَذَ فأساً في يدِهِ)… وأذن فالهجومُ لا يُعْلَمُ إنْ كانَ على ما سَمُّوهُ (الأسودِ) أو على غيرِهَا مَعَ افتِرَاضِ صِحَّةِ الترجمَةِ لبقيَّةِ المفرداتِ.
    يَدِلُّ على ذلكَ أنَّ (الأُسودَ) المذكورةَ لم تُقْتَلْ، بل (كُسِّرَتْ)، وهو اللفظُ الذي أثْبَتَهُ الأحمدُ في ترجمتِهِ بالرغم من أنَّ لَفْظَ (بارارو) عِندَهُ بثلاثةِ معانٍ هي: (قَتَلَ ـ كَسَرَ ـ هَشَّمَ).
    وبِصِفَةٍ عامَّةٍ يَنْبَغي لَنَا ألا نُسَلِّمَ أنَّهُ الآنَ في البريةِ أو الصحراءِ حيثُ الأسود والوحوش لمجرَّدِ أنَّنَا يمكنُ أنْ نُتَرْجِمَ بقايا العمودِ إلى جُمَلٍ مُحْكَمَةٍ تُعْجِبُنَا!.
    فلا تُوجَدُ في النصِّ العبارَةُ (جَعَلَهَا تفِرُّ مِنْهُ)، وكلُّ ما بقيَ في السَّطْرِ الثامِنِ عَشَر هو الفِعْلُ (بارارو) وَقَدْ وَقَعَ كاحتمالٍ على ضميرِ الجماعةِ. والناتجُ هو (كسَّرَهُم). فكيْفَ إذا كانَ المعنى الدقيقُ هو (تَلاشَتْ) ويَعُودُ إلى حُزَمِ الإضاءةِ؟.
    وأمَّا بقيَّةُ المُفْرَداتِ فهي متفرِّقَةٌ مِثْلُ:
    (أكْمَلَهَا، رَمَى، اسم السابق، اسم الثاني، رفع إلى، الرب، ثمانية وعشرون) ثمَّ لا تَظْهَرُ أيَّةُ سُطورٍ واضحَةٍ إلى حدِّ 32 سطراً فينتهي العمودُ الثاني المُمْكِنُ القراءةِ وأوله: (إنَّ اسمَ الجَّبَل ماشو).
    فلنحاوِلَ الآنَ بالاعتمادِ على هذا العمودِ إثباتَ نتيجتين: الأولى: إنَّ جَبَلَ (ماشو) هذا هو نَفْسُ جَبَلِ (قاف) المذكورِ كهَدَفٍ أوليٍّ أو محطَّةِ انطلاقٍ أولى لذي القرْنَينِ.
    الثانية: إنَّ هذا الجَّبَل هو نَفْسُ (الجَّبَل المُحيطِ) الذي يذْكُرُهُ الإمامُ عليٌّ (ع) خلالَ شَرْحِهِ لرحلةَِ ذي القرْنَينِ والذي هو جَبَلُ الفيضِ المغناطيسيِّ بحقليهِ الشامِخَيْنِ.
    وقَبْلَ ذلكَ لا بُدَّ للقارئِ الكريمِ من ضَبْطِ ما ذَكَرْنَاهُ عن تِلْكَ النصوصِ في أوَّلِ هذا الفَصْلِ إذ يأتي هنا تطبيقُ نتائِجِهَا. وتَسْتَنِدُ هذِهِ النتائجُ إلى أوجِهِ التشابهِ اللفظيِّ ومعانيَّ المفرداتِ وحَرَكَةِ الشخوصِ وإجاباتِهِم والى اتِّفاقِ هذا التصَوُّرِ عن الجَّبَل مَعَ التصوُّرِ العلميِّ للمغناطيسيَةِ الأرضيةِ. وتَتَرَكَّزُ تِلْكَ الأوْجُهُ بالنقاطِ الآتيةِ:
     
    1ـ التشابهُ في وصْفِ الجَّبَل:
    لو رَجَعْتَ إلى نصِّ الإمامِ عليٍّ (ع) الذي يَذْكُرُهُ العياشيُّ في آخر صفحات تفسيرِهِ الروائيِّ المفقود إلاَّ هذا الجزء لوَجَدْتَهُ يَصِفُ الجَّبَل بأوصافٍ لا تَنْطَبِقُ على الجِبَالِ المعروفة، بل تَتَّفِقُ فَقَطْ مَعَ (الرواسيَّ) المذكورة ِفي القرآنِ والتي يُقْصَدُ بها كَمَا رأينا من قَبْلُ خطوطَ الفيضِ المغناطيسيِّ الشامخاتِ والتي هي كالجِبَال في مظهرِهَا الخارجي كَمَا في الرَّسْمِ المُرْفَقِ في آخِرِ الكتابِ.
    فَقَدْ قَالَ النصُّ: (وهو أوَّلُ جَبَلٍ أسَّسَهُ اللهُ تَعالى وهو مُحيطٌ بالأرضِ كلِّها وأعلاه في السَّمَاء الدُّنْيَا).
    أمَّا في النصِّ البابليِّ فَقَدْ وَصَفَ الخطوطَ على أنَّها مجموعةُ جِبَالٍ لا جبلاً واحداً ـ أو جبلاً واحداً ذا قُمَمٍ عديدةٍ ـ حسب ما نَقْتَرِحُهُ للترجُمَةِ لأَنَّهُ عَدَلَ من المُفْرَدِ إلى الجَمْعِ فجأةً وأَعْطَاهُ نَفْسَ الوَصْفِ كَمَا في البيت الرابع:
    وقُمَمُهُم تَصِلُ أطْرَافَ السَّمَاء
    وقَالَ الإمامُ عليٌّ(ع):
    (وأَسْفَلُهُ في الأرضِ السابعةَ ِالسُّفْلى)
    وقَالَتْ المَلْحَمَة:
    ومِنَ الأَسْفَلِ بَلَغَت صدورُهُم العَالَمَ الأسْفَلَ
    لكنَّ هذا العدولَّ بالصيغِة هو ترجمَةُ الأحمدَ أما باقرُ فأبقاهُ مُفْرَدَاً قَالَ:
    وهو الجَّبَل الذي تَبْلُغُ أعاليهِ قُبَّةَ السَّمَاء
    وفي الأسْفَلِ ينْزِلُ صدْرُهُ إلى العالَمِ الأسْفَلِ
    وبالطبعِ فإنَّ هذا وصفٌ دقيقٌ في المَلْحَمَة، والنصُّ العلويُّ هو عن خطوطِ الفيضِ كَمَا ذَكَرْنَا لأنَّها شامخةٌ بالفعلِ وداخِلَةٌ في الأسْفَلِ إلى قَلْبِ الأرضِ المغناطيسيَّ.
    ولكنْ.. لماذا اخْتَلَفَتْ الترجُمَةُ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ؟ وأيُّهُما أصَحُّ من الأُخرى؟
    الحقُّ إنَّ الترجمَتَيْنِ تجاوزَتَا النصَّ. فليسَ الأصلُ كَمَا ذَكَرَ باقِرُ (قُمَّتُهُ) إذ ألغى صِيغَةَ الجَّمْعِ، ولا هي كَمَا قَالَ الأحمدُ (قُمَمُهُم) إذ جَمَعَ الجَّبَل نَفْسَهُ مَعَ أنَّهُ مُفْرَدٌ في النصِّ.
    تَكْمِنُ الترجُمَةُ الصحيحةُ في التصوُّرِ العلميِّ نَفْسِهِ. فالجَّبَلُ واحِدٌ ولكنَّهُ مُكَوَّنٌ من مجموعةِ خطوطٍ (رواسي)، كلُّ خَطٍّ لَهُ قُمَّةٌ. وبالتالي فإنَّ ضميرَ الجماعةِ الذي هو (شونو) لا يمكنُ جَعْلُهُ مُفْرَدَاً كَمَا فَعَلَ باقِرُ ولا يمكنُ إرجاعُهُ إلى الجَّبَل مباشرةً ليكون (جبالاً) بالجمعِ، بل يعوُد على الجَّبَل مَعَ إبقاءِهِ مُفْرَداً ـ أي أنَّ الترجُمَةَ ليست (قُمَّتُهُ)، ولا قُمَمِ الجبال (قُمَمُهُم)، بل (قُمَمُهُ). فهو جَبَلٌ واحِدٌ وله قُمَمٌ عديدةٌ.
    والذي دَعَاهم لهذينِ التأويلينِ هو صعوبَةُ اعتبارِ الجَّبَل واحداً والقُمَمُ عديدةً. ولكنْ.. هذا هو الجَّبَل المغناطيسيُّ خلافاً للجِبَالِ المعروفةِ. لاحِظْ النصَّ الأصليَّ:
    أي ـ لو ـ شو ـ نو ـ شو ـ يو ـ أوك شامي ـ كا
    أيلو: قُمَّةُ.
    شونو: ضميرُ الجماعَةِ المذكَّرُ الثالِثُ.
    هكذا قَالَ الأحمدُ. فالناتجُ عنْدَهُ (قُمَمُهم)؟ بالرغمِ مِنْ أنَّ (شو) هو ضميرُ المفردِ الغائبِ (الثالثِ) كَمَا في ترجمة البيت (9)/ص207. أما (نو) فأداةُ جَمْعٍ.
    ومعلومٌ أن أداةَ الجَمْعِ لا تَجْمَعُ المفردَةَ الموجودَةَ في البيتِ السابِقِ (جَبَل)، بل تجمعُ المفردَةَ المجاورِةَ واللفظَ المرتبطةَ به وهو (آيلو) فتصبَحُ على الجَمْعِ (قُمَمٌ) بدلاً من قُمَّةٍ، وتبقى عائديةُ هذِهِ القُمَمِ للجَبَلِ المُفْرَدِ.
    وإذن.. فقولُهُ (قُمَمُهُم) هو غيرُ دقيقٍ، إنَّمَا هي (قُمَمُهُ).
    ويمكنُ وضعُهَا كصيغَةٍ مستقلَّةٍ على النَحْوِ الآتي:
    آيلو ـ شو ـ نو
    قمة ـ هو ـ هم (ضمير الجماعة)
    فإذا قُلْتَ: (قُمَمُهُم) أبْطَلْتَ عَمَلَ (شو)، وإذا قُلْتَ: (قُمَّتُهُ) أبْطَلْتَ عَمَلَ (نو). والصحيحُ هو (قُمَمُهُ)، فَيَعْمَلُ (نو) للجَمْعِ، ويَعْمَلُ (شو) لإعادةِ المفردَةِ إلى الجَّبَل المفرَدِ.
    وعلى ذلكَ فإنَّ أولى أوصَافِ الجَّبَل من الأعلى والأَسْفَلِ واحتواءَهُ على مجموعةِ قُمَمٍ قَدْ تطابقتْ بصورةٍ تامَّةٍ بَيْنَ نصِّ المَلْحَمَة ونصِّ الإمامِ عن ذي القرْنَينِ.
     
    ب- التَّشَابِهُ في عَمَلِ حارِس الجَّبَل:
    لَقَدْ ذَكَرَ نصٌّ آخرٌ عن ذي القرْنَينِ عَمَلَ المَلِكِ المُوَكَّلِ بهذا الجَّبَل حيثُ ذَكَرَ أنَّ عَمَلَهُ هو الأشْرَافُ على تَعَاقُبِ اللَّيل والنَّهَار.
    وَقَدْ ذَكَرْنَا هذا النصَّ في ما سَبَقَ حيثُ تَضَمَّنَ حَديثاً عن الجماعَةِ التي ارْتَقَتْ على السحابَتَيْنِ في العَهْدِ النبويِّ. فبِدَلالَةِ الارتِبَاطِ مَعَ حديثِ الجَّبَلِ المُحيطِ المَذكورِ سابِقَاً نَعْلَمُ أنَّ الجَّبَلَ المُحيطَ هو نَْفسُهُ جَبَلُ (قافٍ) في الرِّوايَةِ الثانيةِ، وإنَّهُ مُرْتَبِطٌ بعمليةِ تَعَاُقِب اللَّيلِ والنَّهَارِ. ففي اللَّحْظَة التي تَصِلُ فيها الجماعةُ إلى مَشَارِِفِ هذا الجَّبَلِ يَسْأَلُ المُتَحَدِّثُ الوليَّ قائِدَ الرحلةِ عن الجَّبَلِ وشَأْنِهِ وعن المَلَكِ الموكّلِ به، فيُجيبُ قائِلاً:
    (إنَّ هذا المَلَكَ الذي وَكَّلَهُ اللهُ تعالى بظُلْمَةِ اللَّيلِ وضوءِ النَّهَارِ ولا يزولُ إلى يَومِ القِيامَةِ).
    وَقَدْ ذَكَرْنَا مَصْدَرَ الحَديثِ فيما سَبَقَ في كِتَابِ البُرْهَانِ مرفوعاً إلى أبن عباس عن طريقِ مجاهدٍ من تفسيرِ سُورَةِ الكَهْفِ، وهو النصُّ الذي تَضَمَّنَ رؤيتَهُم الأرضَ من السَّمَاء وهي كالدِرْهَمِ.
    ومَرَّةً أخرى أَطْلُبُ من السادَةِ الذين يعتقدونَ بخرافيةِ هذا النصِّ إبداءَ التفسيرَ المعقولَ لأسبقيةِ الكَشْفِ عن العِلاقَةِ بَيْنَ الفيضِ المغناطيسيِّ والحَرَكَةِ المحوريَّةِ للأرضِ التي يَنْتِجُ منها تَعَاقُبُ اللَّيلِ والنَّهَار. فهذِهِ العلاقَةُ المُؤَكَّدَةُ عِلميَّاً تَجْعَلُ النصَّ نصَّاً علمياً من الدرجةِ الأولى يَجِبُ التَّوقُفُ عندَهُ.
    الاختلافُ الوحيدُ هو أنَّ العِلْمَ الحَديثَ لم يَحْسُمْ طبيعةَ هذِهِ العلاقَةِ إلى الآن خاصَّةً في اليابان وألمانيا. فهناك فريقانِ: الأوَّلُ يَقولُ إنَّ اللَّفَ المحوريَّ للأرضِ ناشئٌ عن المغناطيسيةِ، والآخَرُ يَقولُ العَكْسَ وهو إنَّ المغناطيسيةَ ناشئَةٌ عن اللَّفِ المحوريِّ.
    والآن.. إذا رَجَعْنَا للملحمةِ البابِليَّة وَجَدْنَا نَفْسَ التَعْليلِ ونَفْسَ العَمَلِ لهذا الجَّبَلِ المسمَّى في المَلْحَمَة (ماشو):
    إنَّ الجَّبَلَ اسمُهُ ماشو
    وحينما بَلَغَ الجَّبَلَ ماشو
    الذي يُرَاقِبُ مَطْلَعَ الشَّمسِ
    ومَغْرِبَ الشَّمسِ كُلَّ يومٍ
    (وقُمَمُهُ) تَصِلُ إلى أطرافِ السَّمَاءِ
    وأسْفَلُهُ يَنْزِلُ صَدْرُهُ إلى العَالَمِ الأسْفَلِ
    إذن.. فالجَّبَلُ المغناطيسيُّ هو الذي يَتَحَكَّمُ بعمليةِ تَعَاقُبِ اللَّيل والنَّهَار لأَنَّهُ مرتَبِطٌ بدورانِ الأرضِ حَوْلَ محورِهَا.. وهذا بِغَضِّ النَّظَرِ عن دِقَّةِ الترجُمَةِ لمُفْرَدَةِ (يُراقِبُ). وبالطبْعِ فإنَّ خطوطَ الفيضِ المغناطيسيِّ داخلةٌ في قَلبِ الأرضِ السَّفلي علميَّاً.
    أرجو الآنَ من القارئِ الكريمِ مُلاحَظَةَ الرَّسْمِ المُرْفَقِ في آخِرِ هذا الكتابِ للحَقْلِ المغناطيسيِّ وخطوطِ الفيضِ، حيثُ سيلاحِظُ ما يلي:
    ö  أنَّ شَكْلَ هذِهِ الخطوطِ مَعَ حقولِ الفَيْضِ يمكنُ أنْ تُشَبَّهَ بالنِّسْرِ أو العنكبوتِ أو العَقْرَبِ. وَقَدْ يمكنُ تشبيهُ الصُّورةِ بالمَحَارةِ ذاتِ الصَّدفتينِ.
    ö     أنَّ هناك حقلانِ متقابلانِ للفَيْضِ هما مِثْلُ قُمَّتينِ لجبلينِ اشْتَرَكَا في الوَسَطِ.
    بينما الظِّلُ الأبْعَدُ وهو الحَقْلُ المُشْتَرَكُ فيبدو وكأنَّهُ قُمَّةٌ واحدَةٌ. وهناك حُقولٌ صُغْرَى وكُبْرَى فرعيَّةٌ. وبالطبعِ فإنَّ التوضيحَ العلميَّ للحَقْلِ المغناطيسيِّ هو أَمْرٌ شديدُ التعقيدِ وليست لَهُ ضرورةً كُبْرَى للقارئِ في هذا البَحْثِ وإنْ كانَ يَكْشِفُ عن المَزيدِ من الدلالاتِ اللفظيَّةِ للنصِّ القرآنيِّ والملحمَةِ والمأثورِ.
    لَقَدْ أختارَ النصُّ القرآنيُّ عِبَارَةَ (الصَّدْفينِ) للإشارةِ إلى الحَقْلَينِ، بينما اختارَتْ المَلْحَمَة عبارَةَ (التوأمينِ) كَمَا سنرى. أمَّا من حيثُ الشَّكْلِ فَقَدْ انطوى النصُّ القرآنيُّ على الشَّكْلِ لأنَّ المَحَارَةَ كَمَا تَعْلَمُ فيها خطوطٌ بخاصَّةٍ إذا كانَ الصَّدْفان بمعنى (غِشَاءِ الدُّرَةِ) لا الصَّدفةِ الصَلِبَةِ، وهو ما ذَكَرَتْهُ بَعْضُ التفاسيرِ والمعاجِمِ كَمَا في تفسيرِ (أنوارِ التنزيلِ) للبيضاوي.
    ö  أنَّ هناك تَقَابُلاً للحقولِ الخارجيَّةِ والفرعيَّةِ وهي على شَكْلِ توائمٍ أو أزْوَاجٍ. وَكَمَا تُلاحِظُ فإنَّها متقابلةٌ من حيثُ الشَّحْنَةِ أيضاً. فَكُلُّ حَقْلٍ سَالِبٍ يُقَابِلُهُ حَقْلٌ مُوجَبٌ وهو على ما يدَّعي العالم الألماني (وولتر) شُحِنَتْ به الدقائقُ الملقاةُ كَفَيْضٍ من الإلكتروناتِ السالبَةِ والبروتوناتِ الموجبةِ الآتيةِ من السَّمَاء كَمَا توضِّحُهُ الصورةُ.
    ومن هنا نَعْلَمُ سَبَبَ التعبيرِ القرآنيِّ عَنْهَا في موضِعينِ بـ (الإلقاءِ)، حيثُ قَالَ:
    (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (النحل:15)
    لَقَدْ أَحْسَنَ طه باقر حينما قَالَ تعليقاً عن اسمِ الجَّبَل ماشو ما نِصُّهُ: (لا يُعْلَمُ بالضَّبْطِ أصْلُ هذا اللَّفْظِ، فإذا كانَ بابلياً فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ يعني (التوأمين)...) ـ 129.
    وهذا يعني أنَّ المَلْحَمَة قَدْ أكَّدَتْ خَصَائِصَ المغناطيسيةِ الأرضيةِ في أكْثَرِ مفرداتِهَا المستخْدَمَةِ مِثْلَمَا أشَاَرْت إلى عَمَلِهَا المُرْتَبِطِ بالدَّورانِ المحوريِّ للأرْضِ.
    لكنَّ التعليقَ النهائيَّ لباقِرَ اتَّسَمَ بالعشوائيةِ حينما قَالَ مُضِيفَاً: (ولَعَلَّ هذا إشارةٌ إلى تَصَوُّرِ العراقيينَ القدماءَ لجِبَالِ لبنانَ الشرقيَّةِ والغربيَّةِ)!!.
    أَقُوْلُ: ليسَ العراقيُّ القديمُ من السذاجَةِ بحيثُ يتحَدَّثُ عن جَبَلٍ واحِدٍ بصيغَةِ المُفْرَدِ (حيثُ إبقاهُ باقِرُ مُفْرَدَاً كَمَا رأيتَ)، ويقولُ أنَّهُ يَحْرِسُ مَطْلَعَ الشَّمسِ ومَغْرِبَ الشَّمسِ وأنَّ حُرَّاسَهُ (الرجالَ العقارِبَ حسب الترجمَةِ) كائناتٌ مُرْعِبَةٌ وأنَّ قُمَّتَهُ تبَلِْغُ السَّمَاءَ وأسفَلَهُ يَنْزِلُ إلى قلبِ العالَمِ الأسْفَلِ.. وبَعْدَ ذلكَ كُلِّهِ يقولُ المترجِمُ لعلَّ ذلكَ هو تصوُّرُهُم عن جِبَالِ لبنانَ الشرقيَّةِ والغربيَّةِ!.
    فما هي علاقَةُ جِبَالِ لبنانَ بكلِّ تِلْكَ الخصائصِ الغريبةِ والمُرْتَبِطَةِ بأمورٍ كونيةٍ وفُلكيَّةٍ؟.
    لكنَّ لَفْظَ (ماشو) لَهُ من جِهَةٍ أخرى دلالةٌ هامَّةٌ إذا افتَرَضْنَا أنَّهُ مُرْتَبِطٌ بالمشيِّ والمُمَاشاةِ في العربيَّةِ.
    فالمشيُ لَفْظٌ يُطَابِقُ الحَرَكَةَ التي تُؤَدَّي فيه والتي هي اقترانُ حَرَكَةِ الرِّجْلِ بالرِّجْلِ الأُخرى. فهو يَنْطَوي ضمنياً على وجودِ زوجينِ أو توأمينِ.
    لَقَدْ عَبَّرَ المأثورُ عن هذا الجَّبَل باسم (قاف). وهو لفظٌ مرتبطٌ بالاقتفاءِ فهو أيضاً حركةٌ اقترانيَّةٌ بَيْنَ اثنينِ بَيْدَ أنَّهُ عامٌّ جداً. فكلُّ خَطٍّ يقفوَ الخَطَّ الآخرَ، وكلُّ حَقْلٍ يقفوَ الحَقْلَ الآخرَ خلالَ الدورانِ المحوريِّ للأرضِ. والجَّبَلُ بكاملِهِ يقفو حركةَ الأرضِ المحوريَِّةِ، ويقفوها وهي بحركةِ الدوران حولَ الشَّمس، إذ يُحْتَمَلُ وجودُ علاقةٍ بَيْنَ الحركتينِ وإنْ كانَ العِلْمُ لا يستطيعُ البتَّ بهذِهِ المسألةِ الآنَ.
    على أنَّ حَرْفَ (قاف) في اللغةِ العربيةِ مُشابِهٌ جداً لخطوطِ الفَيْضِ من حيثُ الرَّسمِ والشَّكْلِ.
     
    ج-التَّشَابِهُ في وَصْفِ حارِس الجَّبَلِ:
    يمكنُنَا الاعتقادُ أنَّ الحارِسَ في كلٍّ من الروايَةِ والملحمَةِ هو نَفْسُ الشخصيَّةِ.
    ذلكَ لأَنَّهُ يُجيبُ بإجاباتٍ متشابهَةٍ ويعتَرِضُ بنَفْسِ الاعتراضاتِ على جلجامشَ أو ذي القرْنَينِ. ولكنْ قَبْلَ التفصيلِ نُحَاوِلُ التَّعَرُّفَ على مدى الدِّقَّةِ في ترجُمَةِ الأبياتِ المتعلِّقَةِ بحارِسِ الجَّبَلِ. فَقَدْ تَرْجَمَ طه باقرُ النصَّ إلى ما يلي:
    ويَحْرِسُ بابَهُ الرِّجَالُ العقارِبُ
    الذينَ يَبْعَثونَ الرُّعْبَ والهَلَعَ ونَظَرَاتُهُم الموتُ
    ويَطْغَى جَلالُهُم على الجِّبَالِ
    الذينَ يَحْرِسونَ الشَّمسَ في شِروقِهَا وغروبِهَا
     أمَّا الأحمدُ فكانت ترجمَتُهُ كَمَا يلي:
    ويَحْرِسُ بابَهَا الرِّجَالُ العقارِبُ
    الذينَ رِهْبَتُهُم مُخيفَةٌ ونَظْرَتُهُم هي الموتُ
    والذينَ يَطْغَى جَلالُهُم المُرْعِبُ على الجِّبَالِ
    ويَحْرِسونَ الشَّمس عِنْدَ مَشْرِقِ الشَّمسِ ومَغْرِبِ الشَّمسِ
    أمَّا ما يتعلَّقُ بهذِهِ الفقَرَةِ من النصِّ الروائي للإمامِ عليٍّ (ع) فهو:
    (وإذا نَحْنُ بِمَلَكٍ يَدُهُ في المَغْرِبِ والأخرى في المَشْرِقِ، فَلمَّا نَظَرَ المَلِكُ إليه (إلى عَلِيٍّ بنَ أَبِي طالبٍ) قَالَ: أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ ألا اللهَ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُهُ ثمَّ قَالَ للريحِ اهبطي ممَّا يلي هذا الجَّبَلَ وأشار إلى جَبَلٍ شامخ في العلوِّ)
    أمّا ما يتعلَّقُ بها من رواية الجَّبَل المُحيطِ فهو من قوله:
    (وإذا بملك قابض على الجَّبَل....الخ) ـ وَقَدْ مَرَّ سابقاً.
    وأوَّلُ شيءٍ نُلاحِظُهُ هنا أنَّ الحارِسَ واحِدٌ في الروايَةِ. ولكنْ في المَلْحَمَة هناك جماعةٌ يحرِسونَ في الجَّبَل.
    لكنَّ الواقِعَ أنَّ المترجِمِيْنَ جَمَعُوا اللَّفظَ المُفْرَدَ من دونِمَا سَبَبٍ واضِحٍ. فالنصُّ الأصليُّ مَعَ ما يقابِلُهُ من العربيةِ هو كالآتي:
    أقرابو ـ أميلو         أي ناصاروا          بابي شو
    عَقْرَبُ   رَجُلْ           يحرِسونَ          باب ـ هو
    إذن.. فقولُهُم (عقارب) على الجَمْعِ مخالِفٌ للأصلِ الذي وَرَدَ فيه اللفظُ بالمُفْرَدِ ورُبَّمَا اضطَرَّهُم إليه وجودُ فِعْلٍ للجماعَةِ هو (يَحْرِسونَ). وبالطَّبْعِ لا تمكنُهُم إضافتُهُ إلاَّ لرَجُلٍِ وعَقْرَبٍ فقَالَوا: (رجالٌ عقاربٌ)!!.
    ومِنْ جِهَةٍ أخرى قَالَ الأحمدُ: (بابَها) بدلاً من (بابِهِ)، ولا يُعْلَمُ وَجْهُ هذا التأنيثِ ولِمَنْ يَعودُ ضَميرُ المؤنَّثِ فالجَّبَلُ مذكَّرٌ؟.
    والحقيقةُ أنَّ هناك التباساً في تصوّرِ تركيبِ الجُمْلَةِ. فالجَمْعُ موجودٌ ولكنَّهُ لا يمكنُ أن يؤديَ إلى جَمْعِ المُفرداتِ السابقَةِ (وهي رَجُلٌ وعَقْرَبٌ) في آنٍ واحِدٍ.
    وسَبَبُ ذلكَ هو جُمودُ المترجمين على المعنى المُسْتَخْلَصِ عندهم لكلِّ لفظٍ. فإنَّ مُفردَةَ (أميلو) تعني (رَجُلٌ)، ولكنِّي أَسْأَلُ: (أليسَ هذا اللفظُ عِنْدَ كَسْرِ الرَّاء سيعني شيئاً آخرَ هو (رِجْلٌ) والتي معناها إحدى رِجْلَي الإنسانِ أو الحيوانِ أو الكرسيِّ سواءً بسواءٍ؟!.
    وإذا كانَ هذا يصحُّ في العربيةِ، فَلِمَ لا يَصِحُّ في كلِّ لغةٍ من لغاتِ الأرضِ؟
    أفَليسَ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ يكونَ الجَمْعُ لأحَدِ اللفظينِ فَقَطْ دونَ الآخرِ بحيثُ يكونُ هو (رِجْلَ العقارِبِ) أو العَقْرَبَ ذا الأرجُلِ الكثيرةِ؟. وبالتالي يَبْقَى الإِفْرَادُ في أوَّلِ الجُمْلَةِ مَعَ صيغةِ الجَمْعِ للفِعْلِ في آخِرِهَا وتكونُ الجُمْلَةُ كالآتي:
    (الذي يَحْرِسُ بابَهُ أرْجُلُ العَقْرَبِ)
    ذلكَ لأَنَّهُ حينما شَبَّهَ الحَقْلَ بكامِلِهِ بالعَقْرَبِ وهو تَشبيهٌ دقيقٌ للغايةِ، فإنَّ خطوطَ الفَيضِ أَصْبَحَتْ بمثابَةِ الأرْجُلِ.
    هذا إذا سَلَّمْنَا بترجمَةِ كافَّةِ الألفاظِ على ما ذَكَرُوهُ وألاَّ فإنَّ اللغةَ موسَّعَةٌ في الاستعمالِ دوماً. فلَعَلَّ اللفظَ (أميلو) مُشتَقٌّ أصلاً من الامتلاكِ وَقَدْ أُطْلِقَ على الرَّجُلِ وسُمِّيَّ به لأَنَّهُ مالِكٌ لأمْرِهِ ومالِكٌ لأمْرِ أُسرتِهِ. وبالتالي يكونُ المعنى هو ذاتَهُ في (المَلَكِ القابِضِ على الجَّبَل) في الروايَةِ.
    وكَذلِكَ لفظ (اقرابو) فلَعَلَّهُ يفيدُ الاقترابَ والمَيْلَ، أو يكونُ اللفظُ (أميلو) ذا علاقَةٍ بـ (الميلِ) والذي فَسَّرَ البيضاويُّ بِهِ عبارَةَ (الصَّدفين) القرآنيةِ. ومعلومٌ أنَّهُ مرتَبِطٌ بالميلِ الأرضيِّ الذي تَتَحَكَّمُ فيه القوَّةُ المغناطيسيَّةُ.
    لَقَدْ تَكَلَّمَ هذا الرجُلُ (الرَّجُلُ العَقربُ) مَعَ مَنْ سَمَّاهُ المترجمون (زوجَتَهُ)، واللفظُ الأصليُّ له هو (سينيشتي) والذي يعني (زوجاً) أو (مُقابِلاً) أو (النصفَ الآخرَ).
    ولكنَّهُم أضافوا إليه التأنيثَ من عِنْدِهِم لاعتقادِهِم أنَّ (أميلو) هو رَجُلٌ وبالتالي فإنَّ زوجُهُ لا بُدَّ أنْ يكونَ امرأةً.
    لكنَّ النصَّ استخْدَمَ نَفْسَ العلاماتِ للزوجينِ فلَمْ يُؤَنِّثْ الزوجَ الآخرَ. وهذا يدِلُّ على مُرادِ النصِّ. فهناك توأمانِ أو زوجانِ متقابلان ليسا من الذَكَرِ والأنثى، وإنَّمَا من بابِ النصْفِ والنصْفِ الآخرَ أو الموجَبِ والسالِبِ أو الحَقْلِ الأيمنِ والأيسرِ.
    وهنا تَظْهَرُ العلاقةُ مَعَ النصِّ الروائي الذي استَخْدَمَ الأيدي بَدَلَ الأرْجُل إذا صَحَّتْ فرضيتُنَا بكونِهِ (عقرباً ذا أرْجُلٍ)، إذ قَالَ النصُّ:
    (يَدُهُ في المَغْرِبِ والأخرى في المَشْرِقِ)
    فهو يُؤَدِّي نَفْسَ الوظيفَةِ حيثُ هو (مُوكَّلٌ بظُلْمَةِ اللَّيلِ وضوءِ النَّهَارِ) ـ البرهان ـ 489 ـ م2. وفي المَلْحَمَة:
    (يحرس الشَّمسَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمسِ وعِنْدَ مشْرِقِ الشَّمسِ)/9 ـ ع2.
    فالمشْرِقُ ابتداءُ ضوءِ النَّهَار، ومغْرِبُ الشَّمسِ لا يعني سوى ظُلْمَة اللَّيلِ.
     
    د-التَّشَابِهُ في ردودِ فِعْلِ الحَارِسِ:
    في المَلْحَمَةِ البابِليَّةِ يقولُ حارِسُ الجَّبَلِ لجلجامشَ:
    لماذا لَزمْتَ الطريقَ البعيدَ؟
    ولماذا وصَلْتَ أمامي؟
    اختَرَقْتَ البِحَارَ الشَّاقَةَ العبور
    أما النصُّ الروائيُّ فيقولُ المَلَكُ لذي القرْنَينِ: (ما الذي قَوَّاكَ يا بْنَ آدَمَ أنْ تَبْلغَ هذا الموضعَ الذي لم يبلغْهُ أحَدٌ من قبْلِكَ مِنْ ولْدِ آدم من الأنبياءِ والمُرْسَلين؟)
    ومِنْ جِهَةٍ أخرى قَالَ حارِسُ الجَّبَل لجلجامشَ إنَّ أحَداً لم يَبلغْ هذا الموضِعَ من قَبْل:
    لا يُوجَدُ إنسانٌ يَسْتَطِيعُ ذلكَ يا جلجامشُ
    لم يَعْبُرْ أَحَدٌ من البَشَرِ مَسْلِكَ الجَّبَلِ
    فكذلكَ يُحَذِّرُ المَلَكُ ذا القرْنَينِ من سلوكِ الظُّلْمَة في وَقْتٍ نُلاحِظُ فيه التَحْذيرَ من حارِس الجَّبَلِ لجلجامشَ:
    أن داخلَهَا يمْتَّدُ اثنتي عشرة ساعة مضاعفةً
    والظِّلامُ حَالِكٌ ولا يُوجَدُ نورٌ
    ولكن النصَّ البابليَّ يَنْخَرِمُ هنا أيضاً حيثُ يُحْتَمَلُ أنَّ الحارِسَ أستمَرَّ في وصْفِ عَقَبَاتِ الرحلةِ.
    avatar
    حسن الشمري

    المساهمات : 30
    تاريخ التسجيل : 21/06/2013
    العمر : 26
    الموقع : بابل

    رد: قراءة جديدة لملحمة كلكامش

    مُساهمة من طرف حسن الشمري في الجمعة يونيو 21, 2013 7:59 pm

    ومعلومٌ أنَّ التأكيدَ على عَدَمِ وجودِ نورٍ من قِبَلِ الحَاِرِس أو ما أكَّدَتْهُ المَلْحَمَةُ فيما بَعْدُ خلالَ الرحلةِ إنَّمَا هو وصْفُ دقيقٌ لطبيعةِ الفَضَاء. وَقَدْ أوضَحْنَا هذا الأمْرَ من قَبْلُ. فالفضَاءُ مُظْلِمٌ دوماً حتَّى ولو كانَ المسافِرُ يرى الشَّمْسَ لعَدَمِ وجودِ أجسامٍ ولا حتَّى غِبَارٍ يَعْكِسُ الضوءَ، وسَبَبُ ذلكَ هو مسألةٌ فيزيائيةٌ رُبَّما تَكونُ غائبةً عن الأذهانِ. فالضوءُ نَفْسُهُ لا يُرَى مُطْلَقَاً وإنَّمَا تمكنُ رُؤيَةُ الأجسامِ عِنْدَ انعكاسِهِ عَنْهَا ولذلكَ لا يَرَى رُوَّادُ الفَضَاء في السَّمَاءِ أيَّةَ إضَاَءةٍ خَارِجَ المَرْكَبَةِ حتَّى لو كانتْ الشَّمْسُ طالعةً عليهم (وهي دوماً طالِعَةٌ في الفَضَاءِ). فخارِجُ المَرْكَبَةِ لا يرون سوى أنْفُسهم!!
    وحينَ يَرَى النُّورُ في المَلْحَمَةِ أو النصِّ الروائيِّ، فمعنى ذلكَ أنُّه وَصَلَ إلى كوكبٍ أو قَمَرٍ من الأقْمَارِ التابَعةِ لكوكَبٍ ما، وهو ما سَنُلاحِظُهُ في الفَقَرَةِ الآتية عن أَوْجِهِ التَّشَابِهِ.
     
     
     
     
     
     
    السابِعُ: التَّشَابِهُ في وَصْفِ المُحَطَّات
     
    نَعْلَمُ الآنَ وبِفْضْلِ كشوفاتِ عِلْمِ الفَلَكِ أنَّ كواكبَ المجموعَةِ الشمسيَّةِِ وأقْمارَهَا تتميَّزُ عن الأرضِ وعن بعضِهَا البَعْضِ في طبيعَتِهَا وصُخورِهَا ذاتِ الأشْكَالِ الغَريبةِ كَمَا هو مُلاحَظٌ في الرسومِ المُرْفَقَةِ.
    لَقَدْ أكَّدَ النصُّ الروائيُّ والملحميُّ على هذِهِ الطبيعةِ الغريبَةِ التي تتميَّزُ بها تِلْكَ المُحَطَّات التي تَنَقَّلَ بينها جلجامشُ (ذو القرْنَينِ).
    ففي النصِّ الروائيِّ أنَّهُ دَخَلَ أرْضَاً أو قَمَرَاً من أقْمَارِ المجموعَةِ الشمسيَّةِ جاءَ وصْفُهُ بطريقَةٍ مُشَابِهَةٍ لِمَا في النصِّ البابليِّ. يقولُ هذا النصُّ:
    (ومَرَّ ذو القرْنَينِ فأَخْطَأَ الواديَ فَسَلَكَ في تِلْكَ الظُّلْمَة أربعينَ يوماً وليلةً ثمَّ خرَجوا إلى ضوءٍ ليس بضوءِ شَمْسٍ ولا قَمَرٍ ولكِنَّهُ نورٌ فَخَرَجُوا إلى أرضٍ رَمْلَةٍ حَمْراءِ خشخاشةٍ فركةٍ كانَ حصباؤها اللؤلؤ).
    وفي نصِّ آخَرٍ أنَّهُ مَرَّ بهذِهِ الأرضِ بَعْدَ رجوعِهِ ويَأْسِهَِ من الحُصولِ على الحياةِ الأبديَّةِ، ولذلكَ عَزَفَتْ نَفْسُهُ عَمَّا فيها من كنوزٍ. يقولُ الإمامُ عليٌّ (ع):
    (رَحِمَ اللهُ أخي ذا القرْنَينِ ما كانَ مُخْطِئَاً إذ سَلَكَ ما سَلَكَ وطَلَبَ ما طَلَبَ ولو ظَفَرَ بوادي الزبرجدِ في مَذْهَبِهِ لَمَا تَرَكَ فيه شيئاً إلاَّ أخْرَجَهُ للناسِ ولكِنَّهُ ظَفَرَ بِهِ بَعْدَمَا رَجَعَ وزَهِدَ عن الدُّنْيَا بَعْدُهُ) ـ البرهان/ ح25-ح23.
    وَقَدْ ذَكَرَ نصٌّ سومريٌّ ترجمَهُ (كرايمر) بعنوانِ (جلجامشُ وأرضُ الحَيَاةِ) مَرَّ عليك سابقاً.. ذَكَرَ أنَّ جلجامش لم يَكُنْ بمفرَدِهِ في الرحلةِ الثانيةِ تحديداً، لأنَّ الرحلةَ الثانيةَ كانتْ للبَحْثِ عن الخلودِ. والنصُّ السومريُّ الأَقْدَمُ عَهْدَاً إنَّمَا يَتَحَدَّثُ عن هذِهِ الرحلةِ، وهي للبَحْثِ عن أرْضِ الحَيَاةِ فَقَدْ أختارَ جلجامشُ (خَمْسينَ مُتَطَوِعَاً من رِجَالِ الوركاءِ وشبابِهَا مِمَّنْ لا تربِطُهُم روابطٌ عائليةٌ ليُرَافِقوهُ في الرحلةِ) ـ حسب ما وَرَدَ في خلاصَةٍ لترجُمَةِ النصِّ ذَكَرَهَا باقِرُ في ص197.
    وإذن.. فَزَعْمُ الشُّراحُ أنَّهُ هَامَ على وجْهِهِ في البراري بَعْدَ مَوْتِ أنكيدو هو زَعْمٌ بَاطِلٌ جُمْلَةً وتفصيلاً. فَقَدْ قَدَّروا هذا الزَعْمُ تقديراً كَمَا فَعَلَ باقِرُ مِنْ خلالِ الانخرامِ في النصِّ.
    وَقَدْ أَكَّدَ النصُّ الروائيُّ على وجودِ مجموعَةٍ مَعَهُ من خلالِ تِكْرَارِ مُفْرَدَةِ (وأصحابه) أو عبارةٍ مِثْل ( وأصحابُهُ يَنْظرونَ إليه)، وأَكَّدَ وجودَهَا أخيراً من خلالِ سِلوكِهِ وادي المعادنِ والجواهِرِ. فَقَدْ جَهَلَ الجماعَةُ شأنَ هذا الوادي فَسَألوهُ قائلين:
    (ما هذا أيُّها المَلِكُ؟ قَالَ خُذوا مِنْهُ فَمَنْ أَخَذَ يَنْدَمُ ومن لَمْ يَأخُذْ يَنْدَمُ)!!
    قَالَ النصُّ بَعْدَ ذلكَ:
    (فَلَمَّا خَرَجوا من الظُّلْمَةِ عَلِمُوا أنَّهُ الزبرجَدُ فَنَدَمَ الآخِذُ وَنَدَمَ التارِكُ)
    وبالطَّبْعِ لا يَخْفَى أنَّ الظُّلْمَةَ الأخيرَةَ هي ظُلْمَةُ الكوكَبِ وهي مُخْتَلِفَةٌ عن الظُّلْمَةِ المذكورةِ في النصِّ الأسْبَقِ والتي هي ظُلْمَةُ الفَضَاءِ الكونيِّ، لأنَّهَا حُدِّدَتْ على أنَّهَا ليست ظُلْمَةَ ليلٍ ولا دُخَانٍ.
    لَقَدْ كانت تِلْكَ المنطقَةُ التي وَصَلَهَا في النصِّ الملحميِّ عبارةً عن (غابَةٍ) حَسَبَ الترجُمَةِ، بَيْدَ أنَّهَا غابَةٌ صخريَّةٌ كَمَا رأيتَ في أوَّلِ هذا الكِتَابِ.
    وكانت الرحلةُ الأولى لِقَتْلِ (خمبابا) هي الأُخرى إلى (غابة الأرز) أيضاً. وَقَدْ ذُكِرَ الأرْزُ مرَّةً أخرى خلالَ المحاوَرَةِ مَعَ الملاَّحِ ومن سُمِّيَتْ بـ (صاحِبَةِ الحانَةِ) في الرحلةِ الثانيةِ.
    السؤالُ الآنَ هو: إذا كانَ (خمبابا) في غابَةٍ أرضيَّةٍ فَكَيْفَ ظَهَرَتْ الغابَةُ والأرْزُ مرَّةً أخرى في الرحلةِ إلى أوتو ـ نوبشتم؟ مَعَ أنَّ المفروضَ أنَّ مَسْكَنَهُ بَعْدَ بَحْرِ الموتِ وبِحَارِ الظُّلُماتِ؟.
    الواقعُ إنَّ التعبيرَ عن تِلْكَ المُحَطَّات بالغابَةِ إنَّمَا هو وَصْفُ مُشْتَرَكٌ لطبيعةِ الكواكِبِ وأقمارَِهَا المُكَوَّنَةِ من أحجارٍ وصُخورٍ ذاتِ أشكالٍ تَشْبَهُ الأشْجَارَ. فلاحِظْ التشابِهَ بَيْنَ الوصْفينِ:
    في الرحلة الأولى:
    غابَةُ الأرْزِ...
    زينتُهَا الصَّخْرُ الأبيضُ
    واللاروشُ… الرصاصُ الأحْمَرُ
    الكبريتُ وصَخْرُ الأنكوكمي المعدني
    وصَخْرُ الزاجِ وحَجَرُ الدم
    وحَجَرُ الأصماغِ الزرنيخيةِ
    ….للبحر....
    وكَذلِكَ ما رَآهُ في الرحلةِ الثانيةِ. فالموضِعُ مُتَشابِهٌ مِنْ حيثُ كونِهِ صُخوراً منحوتةً وبأشكالٍ غريبَةٍ ولكنَّ نوعَهَا يختلِفُ بالطبْعِ، لأنَّ الكوكَبَ هو كوكبٌ آخِرٌ:
    وبَعْدَ إنْ قَطَعَ اثنتي عشرة ساعةً مُضَاعَفَةً (في الظِّلامِ)
    أنَارَتْ (الأرضُ)
    أبْصَرَ أمامَهُ أشجاراً تَحْمِلُ الأحْجَارَ الكريمَةَ
    فَلَمَّا رآها اقْتَرَبَ مِنْهَا
    فَوَجَدَ الأشْجَارَ التي ثمارُهَا العقيقُ
    وتَتَدَلَّى الأعْنَابُ مِنْهَا… ومَرْآهَا يُسِرُّ الناظِرَ
    ووَجَدَ الأشْجَارَ التي تَحْمِلُ اللازودَ
    فَمَا أبهى مَرْآهَا
    رأى العوسَجَ الذي يَحْمِلُ الأحجارَ الكريمَةَ
    واللؤلؤَ البحريَّ
    قَالَ المترجِمُ مُعَلِّقَاً:
    (يَشْبَهُ هذا الوَصْفُ لهذِهِ البستانِ العجيبةِ ما وَرَدَ في قِصَصِ وحكاياتِ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ!!).
    فالمُتَرْجِمُ لمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كونِهَا وصفاً لمناطقٍ كونيَّةٍ وبَيْنَ كونِهَا أسطورةً تَتَحَدَّثُ عن أشجارٍ لا وجودَ لَهَا.. فالكاتبُ لمْ يَقُلْ أنَّ الأشْجَارَ هي أشْجَارٌ نباتيَّةٌ وتَحْمِلُ ثِمَارَ العقيقِ.. بل يقولُ أشْجَارٌ وعوسج فَقَطْ، ويُسَمِّيْهَا بتشكيلاتِهَا الغريبةِ على أسماءِ النباتِ الأرضيِّ. وَقَدْ أَمِنَ من الالتباسِ في جميعِ التفاصيلِ وجميعِ المُفْرَداتِ في كلِّ المَلْحَمَةِ، فلم يَحْدُثْ أيُّ التباسٍ في الموضوعِ خاصَّةً وأنَّهُ يَتَحَدَّثُ من خلالِ نصٍّ أدبيٍّ وشعريٍّ لا من خلالِ نصٍ خاصٍ بعِلْمٍ من العلومِ.
    فأيُّ شُبْهٍ وأيَّةُ علاقةٍ بَيْنَ الوصْفِ العلميِّ الدقيقِ لمناطقٍ كونيَّةٍ وأقْمَارٍ للسَّيَاراتِ بَعْدَ تأكيدِهَِ على كُلِّ التفاصيلِ المارَّةِ سابقاً وبَيْنَ القِصَصِ الخرافيةِ المجَّةِ لألفِ ليلةٍ وليلة؟.
    فأرجو ملاحَظَةَ صورةِ القَمَرِ (تيتان) وهو أَحَدُ أقمارِ كوكبِ زُحَل المُرفقَةِ لِتَرَى الصَّخْرَ الأبيضَ والأَحْمَرَ والأشكالَ المتنوِّعَةَ في طبيعتِهِ.
    فَمِنَ المُحْتَمَلِ أنْ تَكونَ المُحَطَّاتُ المذكورةُ هي أقمارُ زُحَل، فَثَمَّةُ شُبْهٌ كبيرٌ بَيْنَ الصُّفَاتِ والأسماءِ المذكورةِ في القصَّتينِ مَعَ خصائصِ أقمَارِ هذا الكوكبِ.
    إذ يبدو أنَّ اللفظَ (سيدوري) الذي تَرْجَمَهُ الشُّراحُ إلى (صاحبةِ الحانَةِ) هو اسمُ الكوكَبِ وهو قَريبٌ لفظيَّاً من اسمِهِ اللاتيني (ساتورن)، فإنَّ ترجمةُ اللفظِ إلى (صاحبةِ الحانةِ) فيه مجازفَةٌ كبيرةٌ لا تَخْفَى.
    لَقَدْ جاءَ اللفظُ الأصليُّ لأوّلِ مرَّةٍ في المَلْحَمَةِ بصوتٍ آخَرٍ عَدَّةُ الشُّراحُ الاسمَ الآخَرَ لصاحبةِ الحانَةِ وهو (أناسابيتوم).
    وكانَ باقِرُ قَدْ رَبَطَ بَيْنَ هذا اللفظِ وبَيْنَ اللفظ (سابيتم) البابلي الذي يعني بائعةَ الخَمْرِ وبَيْنَ المفردةِ العربيةِ (سبأ) و(سَباء) أي بائع الخَمْرِ. لكنَّ هذا التأويلَ يَعْتَمِدُ على طريقَةِ القِراءَةِ وتقطيعِ المَقَاطِعِ.
    فالأحْمَدُ مثلاً تَرْجَمَ المَقْطَعَ (أيناسابان تامتي) إلى عبارَةِ (التي تَسْكِنُ أعماقَ البَحْرِ أو ظلامَ البَحْرِ).
    وَقَدْ أستُعْمِلَ اللفظُ (تام) و(تامتي) للإشارَةِ إلى البَحْرِ ولكُلِّ ما هو واسعٌ سِعَةً عظيمةً عِنْدَ البابليين، وهؤلاءِ قَدْ أطلقوا لَفْظَ (تمتم) على البَحْرِ، والعَرَبُ يقولون (طمطام) لوصْفِ البَحْرِ العميقِ جداً والواسِعِ سِعَةً كبيرةً.
    كَذلِكَ الوصْفُ (سابي) فإنَِّ الارتباطَ مَعَ اللفظِ العربيِّ (سبأ) و(وسَباء) لا يعني بالضرورَةِ أنْ يكونَ بائعَ الخَمْرِ. فَقَدْ وَرَدَ في العربيَّةِ مُسْتَعْمَلاً لأشياءٍ كثيرةٍ منها:
    سَبَا العدوَّ: أَسَرَهُ
    سَبَأَ الخَمْرَ: بَاعَهَا
    السابياء: الأموالُ الكثيرةُ من ذَهَبٍ ومواشي
    السابياء: المشيمةُ الخارجيَّةُ من الرّحْمِ
    السبًاء: العودُ الصغيرُ في السيلِ الجَّارِفِ
    السبَيَة: دُرَّةُ البَحْرِ
    السبأة: السَفَرُ النائي.
    المسبأ: الطريقُ في الجَّبَلِ
    أنظر في القاموس.
    إذن.. فقولُهُم (سبأ، وسباء) هو بائع الخمر خاطئٌ أصلاً، لأنَّ المُعْجَمَ لَمْ يَقُلْ أنَّ اللفظَ (سبأ) وَحْدَهُ مَعْنَاهُ (بَاعَ الخَمْرَ)، بل هو فِعْلٌ إذا وَقَعَ على الخَمْرِ يعني باعَهَا أو اشتراها، وإذا وَقَعَ على فَرْدٍ دَلَّ على غيرِ ذلكَ. قَالَ في القاموس: سبأ فلاناً: جَلَدَهُ. وقَالَ: سَبَأَ الجِلْدُ: غيَّرَه. ومِنْهُ السبَاء: جِلْدُ الحيَّةِ المسلوخِ.
    فإذا أرادَ المرءُ الانتفاعَ باللفظِ العربيِّ يتوجَّبُ عليه الانتفاعُ من جَذْرِهِ اللغويِّ فَقَطْ ومعناهُ الأصليُّ العامُّ. وليس المعنى الأصليُّ للفظ (سبأ) سوى السعة والتعمُّق والإيغال بحيثُ إذا وَقَعَ على المِرْءِ أفادَ الجِلْدَ، وإذا وَقَعَ على الخَمْرِ أفادَ التجارَةَ بها، لأنَّ التجارَةَ بما هو ضَارٌّ هو إيغالٌ في الفَسَادِ، فكأنَّهُ لم يَكْفِهِ شربُهَا فَتَاجَرَ بها، وإذا وَقَعَ على العودِ أفادَ الإيغالَ في خِفَّتِهِ وضآلَةِ شأنِهِ، وإذا وَقَعَ من المِرْءِ (لا عليه) أفادَ إيغالَهُ في الأمْرِ من سَفَرٍ ونَحْوِهِ.
    وهذا اللفظُ قريب من لفظِ (السبعة) التي أستعْمَلَهَا العَرَبُ للكثرَةِ وأستعْمَلَهَا التنزيلُ في قولِهِ تعالى:
    (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ )  (التوبة: من الآية80)
    وَقَدْ استَعْمَلَ البابليون لَفْظَ (سبأ) للعدَدِ سبعةٍ في وقتٍ مبكِّرٍ.
    فإذا جمعنا اللفظين (سابي تمتام) عنى البِحَارَ السَّبْعَةَ، وإذا نُحِتَ مِنْهُ اللفظُ (سابيتم) عَنَى السباعيَّ العُمْقِ أو السباعيَّ البَحْرِ.
    لا تُوجَدُ في النصِّ أيَّةُ قرائنٍ أخرى تُشيرُ إلى وجودِ حانةٍ مثلاً أو خَمْرٍ أو بائعةِ خَمْرٍ، كَمَا لا يَدِلُّ ظَنُّهُ أنَّها رُبَّما سَتَحْسِبُهُ مِنْ قُطَّاعِ الطريقِ على كونِهَا غانيةً من خلالِ شريعةِ حمورابي، وذلكَ: أولاً لأنَّ هذا القانونَ الذي مَنَعَ الغواني من إيواءِ قُطَّاعِ الطريقِ مُتَأَخِرٌ زمنياً عمَّا يُفْتَرَضُ أنْ يكونَ حَدَثَاً مُتَقَدِّمَاً عليه بألْفِ سنةٍ في الأقَلِّ، وثانياً لأنَّ هذا القانونَ كانَ عامَّاً في مضمونِهِ، وكانَ ذِكْرُ الغواني هو فَقَرَةً من فقراتِهِ لا علاقةَ لَهَا بتطبيقِ هذا القانونِ عليه من الناحيةِ الزمنية ولا الجغرافيةِ، إذ هو الآنَ خارجُ مملكَةِ حمورابي في الزمانِ والمكانِ قطعاً حتَّى لو كانت الرحلةُ على الأرضِ. فأعجبْ إذنْ وَلَكَ أنْ تعْجَبَ لتأويلاتِ الشُّراحِ.
    وبِصِفَةٍ عامَّةٍ فإنَّ سؤالَ (سيدوري) عن سَبَبِ الرحلَةِ وإجابَتَهُ عن السؤالِ لم تختلفْ عن المراحِلِ الأُخرى التي جَرَى فيها مِثْلُ هذا الاستغرابِ من مجيئِهِ إلى هذِهِ المواضِعِ.
    ولماذا لا نَفْتَرِضُ إنَّهُ كانَ يُكَلِّمُ الكوكبَ نَفْسَهُ (سدوري) أو زُحَل على عادةِ الشُّعَرَاءِ والأدَبَاءِ في مُخاطَبَةِ النَّجْمِ والبَحْرِ والجَّبَلِ والقَمَرِ وما في الطبيعة، وما أكثرُهُ في الأدبِ. وهل نَنْسَى ونحنُ في خُضْمِ البَحْثِ عن الرموزِ أنَّ المَلْحَمَةَ نصٌّ أدبيٌّ قَبْلَ كلِّ شيءٍ آخَرٍ؟. فقد قَالَ الشاعرُ:
    ألا يا أيُّها اللَّيلُ الطويلُ ألا فانجلي
    بِصُبْحٍ وما الإصباحُ منك بأَمْثَلِ
    هكذا قَالَ أمرؤُ القيس.
    وقَالَ آخَرٌ: يا جَبَلُ التوباذ حيَّاكَ الحيا… الخ.
    وقَالَ آخَرٌ عن حِصَانِهِ:
    فازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بلُبَانَةٍ
         وَشَكَا إليَّ بِعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ
    وقَالَ المتنبي:
    يَقولُ بشَعْبُ بَوَّانٍ حِصَاني
    أَعَنْ هذا يُسَارُ إلى الطِّعَانِ؟
    فَهَلْ نَرَى إنَّهُ سَمِعَ حصانَهُ فِعْلاً يقولُ أم أنَّهُ حَكَى على لسانِهِ؟
    وهل نَنْسَى ما أجْرَاهُ الكاتبُ الوهرانيُّ على لِسَانِ بَغْلَتِهِ الشَّهيرةِ (بغلةُ الوهراني)، أو الحَكيمُ على لِسَانِ حِمَارِ الحكيمِ؟.. إلى شواهِدَ كثيرةٍ خَاطَبَ فيها الأديبُ الأشياءَ والكائناتِ وأَجَاََبها إذا سائَلَتْهُ، وسائَلَهَاَ فأجابَتْهُ، ووَضَعَ على لسانِهَا ما يُريدُ قولَهُ.
    أفلا يمكنُ أن يكونَ كاتبُ الملحَمةِ قَدْ أضافَ خيالَهُ الشعريَّ إلى تفاصيلِ القصَّةِ من غيرِ إخلالٍ بحرَكَةِ الشُّخوصِ؟.
    يمكنُ ذلكَ بالطبع حينما نَتَصَوَّرُ أنَّ عبارَتَهُ:
    والآنَ وَقَدْ رأيتُ وجهكَ يا سيدوري
    هو خِطَابٌ موجَّهٌ إلى كوكبِ زُحَلٍ من أَقْرَبِ أقمارِهِ إليه كقَمَرِ (تيتان) مثلاً أو (ميماس)، وحينها تَكونُ العبارةُ (سابي تامتام) بمعنى ذات البِحَارِ السبعة والمقصودُ بها زُحَلْ.
    ولكن لماذا يُسمَّي زُحَلُ بهذا الاسمِ الآخَرِ؟
    إنَّ لزُحَلٍ ثلاثةُ أنْطِقَةٍ يَعْلَمُهَا القارئُ من صوَرِهِ الملوَّنَةِ المشهورةِ والتي تَظْهَرُ في إحدى الصورِ المُرْفَقَةِ في هذا الكتابِ وتسمَّى أطواقَ زُحَلٍ. ولكنَّنَا نَعْلَمُ الآنَ أنَّ هذِهِ الأنطِقَةَ ما هي إلاَّ غازاتٌ وغبارٌ كونيٌّ مُخْتَلِفُ الكثافَةِ في كلِّ نطاقٍ ممَّا يُظْهِرُهُ بألوانٍ زاهيةٍ مختلفةٍ، وهو بالفِعْلِ أجْمَلُ السيَّاراتِ في المجموعَةِ الشَّمسيَّةِ.
    لكنْ يَجِبُ أنْ لا نَنْسَى أنَّ بَيْنَ كلِّ نطاقٍ وآخَرٍ يوجدُ نوعٌ آخَرٌ مِنَ الوَسَطِ الذي لا نُدْرِكُهُ بالمطيافِ لعَدَمِ صُدورِ ألوانٍ عَنْهُ، وبالتالي فإنَّ عَدَدَ الأنطِقَةِ الفعليَّةِ مَعَ الغلافِ الخاصِّ الخاص بالكوكبِ يصبحُ سبعةَ أنْطِقَةٍ.
    هَلْ كانَ يكَلِّمُ السيَّارَ ذا الأنطِقَةِ السَّبعةِ نَفْسَهُ لِيُدِلَّهُ على طريقِ الوصولِ إلى أوتو ـ نوبشتم حيثُ يَقْطِنُ في هذا الكوكبِ؟.
    إنَّ النِسْخَةَ الآشوريَّةَ تَتَضَمَّنُ وَصْفَاً أفْضَلَ لسيدوري بَيْدَ أنَّ الأسْطُرَ المقصودَةَ قَدْ تَهَشَّمَتْ إلاَّ بِضْعَةَ مُفرداتٍ.
    ولكنَّ هذِهِ المفرداتِ تبدو وكأنَّهَا تُعَزِّزُ هذا الفَرْضَ لا سواه، إذ يمكنُ أن نَقْرَأَ (سابيتوم) قراءةً أخرى من جِهَةِ كونها (سبعة وبحار) كَمَا أسلفنا، أو (ظلام) كَمَا أثبته الأحمدُ، وبالتالي يكونُ الاسمُ هو ذاتَ البِحَارِ السبعةِ. فكلُّ بَحْرٍ هو نِطَاقٌ يَجِبُ خَوضُهُ للوصولِ إلى أوتو ـ نوبشتم.
    لاحظ ما بَقِيَ من مُفرداتٍ من هذا العمودِ:
    سيدوري التي تَقْطِنُ عِنْدَ ساحِلِ البَحْرِ
    ....التي تَقْطِنُ....
    عَمَلوا لَهَا قَدَحَاً من ذَهَبٍ
    وصنعوا إبريقاً..
    مُغَطَّاةٍ بحجابٍ..
    يأتي جلجامشُ
    والوَجْهُ مِنْهُ يَشْبَهُ الذاهِبُ إلى طَريقٍ بعيدٍ
    إنَّهُ قَدَحٌ، ومُحْتَمَلٌ أنَّهُ صَحْنٌ من ذَهَبٍ لا إبريقٌ وهو حِجَابُها.
    أَوَلَيْسَ هذا وصفاً لأنطِقَةِ زُحَلٍ؟
    لَقَدْ تَرْجَمَ (سبايرز) البيتَ الأخيرَ بصورَةٍ مختَلِفَةٍ، فهو عِنْدَهُ:
    الوَجْهُ مِنْهُ يَشْبَهُ الذاهِبَ برحلَةٍ طويلةٍ
    رحلةٌ كَمَا تَطْلَعُ الشَّمْسُ!
    فَهَلْ تَدْري كَمْ هي هامَّةٌ جداً كَلِمَةُ (كَمَا) في قوله: (كَمَا تَطْلَعُ الشَّمْسُ) ؟، وهل تَدْري كَمْ يَخْتَلِفُ السِياقُ الذي تجيءُ فيه عن سِياقِ العبارَةِ (من مَطْلَعِ الشَّمسِ) المكررَّةِ في المَلْحَمَة؟.
    ذلكَ لأنَّ الراحِلَ كَمَا تَطْلَعُ الشَّمْسُ إنَّمَا يَرْحَلُ في مَجْرَىً فضائيٍّ مُسَاوِقٍ لمَجْرَى الشَّمْسِ، ولا يعني ذلكَ سوى أنَّهُ يَذْهَبُ إلى الكواكِبِ الخارجيَّةِ في المجموعَةِ الشمسيَّةِ إلى حيثُ المريخ، المشتري، وزُحَل. فماذا كانَ جوابُ سيدوري لجلجامشَ؟
    لَقَدْ كانَ مشابهاً لِمَا قَالَه العَقْرَبُ ذو الأرْجُلِ من قبْلُ، لكنَّهَا أضافَتْ أنَّ هناك بحاراً للموتِ يَجِبُ عبورُهَا:
    صَعْبٌ مكانُ العبورِ وطُرُقُهُ أصْعَبُ
    وماذا تصْنَعُ عندما تَصِلُ إلى مياهِ المَوتِ؟
    ولكن كَيْفَ نؤكِّدُ هذا الفَرْضِ بأرقامٍ علميَّةٍ من دَاخِلِ المَلْحَمَةِ؟.
    الأَمْرُ ممكنٌ جداً فَقَدْ استعانَ جلجامشُ بـ (اورسنابي) الملاَّحِ ليوصِلَهُ إلى هناك. وقَطَعَ (أورسنابي) بطريقتِهِ العجيبَةِ مسافَةً تَقْطَعُ عادةً بـ (45) يوماً.. قَطَعَهَا بثلاثَةِ أيَّامٍ فَقَطْ.
    لَقَدْ كانَ يَسيرُ بآلَةٍ سريعَةٍ يمكنُ حِسَابُ سرعَتِهَا التقديريَّةِ. فالسَّيْرُ بعرباتٍ تجرُّهَا الجِيادُ يُقَدَّرُ كَمُعَدَّلٍ بنحو 65 كم/ساعة. ولَمَّا كانت سرعَةُ سَيْرِهِمَا مضاعَفَةً (15) مرَّة (45 ÷ 3 = 15)، فإنَّ سرعتَهَا هي: (65 × 15 = 975 كم/ساعة).
    وَقَدْ سَارا ثلاثَةَ أيَّامٍ أي (3 × 24 = 72 ساعة).
    فَكَمْ قَطَعَا بهذِهِ السرعَةِ وبهذا الزمنِ من مسافَةٍ؟.
    لَقَدْ قَطَعَا مسافةً تساوي:
    المسافةُ = السرعة × الزمن = 975 × 72 = 70200 كم. وتساوي تقريباً       (70000) كم.
    ولكنْ إلى أينَ وَصَلا بهذِهِ المسافةِ؟
    لم تَقُلْ المَلْحَمَةُ أنَّهُما وَصَلا إلى حيثُ يَقْطِنُ (أوتو ـ نوبشتم)، بل وَصَلا إلى مياهِ الموتِ فَقَطْ.
    وعندما افْتَرَضْنَا أنَّ مياهَ الموتِ هي حَلَقَاتُ زُحَلٍ، فيَجِبُ أن تَكونُ هناك مسافَةً قريبةً من هذِهِ بَيْنَ أحَدِ أقمارِهِ وبَيْنَ حافَّةِ حلقاتِهِ إذا كانَ هذا الانطلاقُ قَدْ تَمَّ من أَحَدِ أقمارِهِ كَمَا افْتَرَضْنَا.
     نَعَمْ.. إنَّهُ القَمَرُ (ميماس). فهو يَبْعُدُ عن زُحَلٍ (148000) كم وعِرْضُ الحَلَقَاتِ هو (65000) كم.
    إذن.. المسافةُ بَيْنَ ميماس والحلقاتِ هي:
     148000 - 65000 = 83000 كم.
    وهذا رقمٌ قريبٌ من المسافَةِ التي قَطَعَهَا (أورسنابي) مَعَ جلجامشَ.
    ولكنَّنَا لا نستطيعُ التحقُّقَ بِنَفْسِ الطريقَةِ من المسافَةِ المُتَبَقِّيةِ، لأنَّ العمودَ يَتَهَشَّمُ هنا أيضاً فلا نَعْلَمُ المُدَّةََ التي مَرَّتْ لعبورِ هذِهِ المَنْطِقَةِ والوصولِ إلى أوتو ـ نوبشتم.
    أمَّا إذا كانت المسافَةُ أقلَّ من ذلكَ حَسَبَ مصادِرَ أخرى كالمثبَّتَةِ في الرَّسمِ وهي (115000) كم، فإنَّ التفسيرَ سيكونُ أكثَرَ ملائَمة ويسراً.
     
     
     
     
    الثامِنُ: التشابِهُ بَيْنَ اسمي البطلين
     
    لا تَحْتَاجُ هذِهِ الفَقَرَةُ إلى إيضاحٍ مُسْهَبٍ فَثَمَّةُ اعتقادٌ حَوْلَ المعنى اللغويِّ لأسم المَلِكِ (جلجامش) كلَفْظٍ، وثَمَّةُ سؤالٌ عن أسمِ ذي القرْنَينِ. إذ أنَّ معناه يَشْبَهُ المعنى الذي يقدِّرُهُ عُلَمَاءُ الآثارِ لأسم جلجامش. وسَبَبُ ذلكَ أنَّ ذا القرْنَينِ لَقَبٌ لا اسمٌ.
    قَالَ طه باقر: (عجباً! مِنْ جلجامشَ هذا الذي أَصْبَحَ مِثَالاً يُحْتَذى بِهِ في أَبْطَالِ جميعِ الأُمَمِ على الأرضِ؟)
    وَذَكَرَ بَعْدَ ذلكَ المعنى المُحْتَمَلَ للاسمِ فَقَالَSadالرَّجُلُ الذي يُنْبِتُ شَجَرَةً). ولو أَرَدْنَا ترجُمَةَ هذِهِ العبارَةِ إلى ألفاظِ العراقيين اليوم فَلَنْ نَجِدَ أفْضَلَ من مفردةِ (عائش أو عياش) وما شابه، إذ أنَّ الذي يُنْبِتُ شَجَرَةً ويُخْلِّفُ ذريَّةً أو يَفْعَلُ أفعالاً تُخَلِّدُهُ لا يُعَدُّ ميتاً، فهو عِنْدَهُم (عايِشٌ).
    ومِنْ هنا فإنَّ مَعْنَى اللفظِ يدورُ حَوْلَ استمرارِ الحياةِ بنحْوٍ ما.
    أمَّا أسمُ ذي القرْنَينِ فَقَدْ وَرَدَ في كتابِ (النور المبين) وكتاب (البرهان) وغيرهما أنَّ رَجُلاً سَأَلَ علياً (ع) عن أسمِ ذي القرْنَينِ فقَالَ: (كانَ أسمُهُ عياش وكانَ قَدْ مَلَكَ بَعْدَ الطوفان). والنصُّ هذا موجودٌ في النورِ المبينِ في قصَّةِ ذي القرْنَينِ، وفي كتابِ البرهانِ من شَرْحِ سورةِ الكهف في الحديثِ المرَقَّمِ (27).
    ومعلومٌ إنَّنا نَقْصِدُ بذي القرْنَينِ في هذا الكتابِ الوليَّ المَلِكَ المذكورَ في النصِّ القرآنيِّ، وهو غَيْرُ الإسكندر المُلَقَّبِ أيضاً بهذا اللَّقَبِ، ذلكَ أنَّ لَقَبَ ذي القرْنَينِ هو لَقَبٌ قَديمٌ استَعَارَهُ من صَاحِبِهِ الأوَّلِ أشْخَاصٌ كثيرون مِنْهُم الإسكندرُ كَمَا أكَّدَ طه باقر بقَولِهِ: (والبَطَلُ جلجامشُ أنتَقَلَ اسمُهُ إلى مَعْظَمِ الآدابِ القديمةِ وإنَّ أعمالَهُ نُسِبَتْ إلى أبْطالٍ أو أسْمَاءٍ من الأُمَمِ الأُخرى مِثْل (أخيل) و (هرقل) و(الإسكندر) و(ديسيوس) في الأوديسة).
    فَكَيْفَ أنْتَقَلَ هذا الاسمُ ما لم يعنِ اللَّقَبَ لا الاسمَ. فالمشهورُ أنَّ الإسكندرَ لُقِّبَ بذي القرْنَينِ لا بجلجامشَ. وعلى ذلكَ فإنَّ هذا الذي يقولُهُ باقِرُ يؤكِّدُ وِحْدَةَ البَطَلَينِ في الأصْلِ، فإنَّ عياشَ (جلجامشَ) هو المُلَقَّبُ الأوَّلُ بذي القرْنَينِ، وهو نَفْسُهُ الذي يَذْكُرُهُ القرآنُ الكريمُ.
    وَقَدْ أَكَّدَ نصٌّ آخَرٌ للإمامِ عليٍّ (ع) إنَّهُ أوَّلُ وليٍّ يكونُ من الملوكِ، وأوَّلُ مؤمِنٌ مَكَّنَ اللهُ لَهُ في الأرضِ.
    إنَّ مَعْنَى أسمِهِ يَدِلُّ من جِهَةٍ أُخرى على ما ذَكَرْنَاهُ من حَتْمِيَّةِ عداءِهِ لعشتارَ، فإنَّ (العيّاشَ) هو الشديدُ الرَّغْبَةِ في البَقَاءِ على الحياةِ، وعشتارُ هي حياةٌ مُنْقَطِعَةٌ. فالعَدَاءُ بينَهُما مُسْتَحْكِمٌ تَفْرِضُهُ الأسماءُ مُنْذُ ولادةِ جلجامشَ:
    مَنْ غَيْرُهُ سُمِّيَ جلجامشَ سَاعَةَ وِلادَتِهِ؟
     
     
     
     
     
     
    التاسِعُ: التشابِهُ في الملوكيَّةِ
     
    لَقَدْ كانَ هذا التشابِهُ واضِحَاً بَعْدَ تأكيدِ النصوصِ على كونِ ذي القرْنَينِ قَدْ مَلَكَ فِعْلاً في الأرضِ وبَعْدَ التعبيرِ القرآنيِّ (إنَّا مكَّنَا لَهُ في الأرضِ) والذي يَدِلُّ في العادةِ على المُلْكِ.
    أمَّا ملوكيةُ جلجامشَ فَقَدْ أَصْبَحَتْ أمْرَاً مفروغاً مِنْهُ، إذ الثابِتُ تاريخياً أنَّ جلجامشَ مَلَكَ في الوركاء وجاءَ اسمُهُ في ثَبْتِ الملوكِ السومريِّ من سُلالةِ الوركاءِ الأولى وهي ثاني سُلالةٍ تَحْكُمُ الوركاء بَعْدَ الطوفانِ، إذ حَكَمَتْ قَبْلَهَا سُلالةُ كيش الأولى.
    ويأتي ترتيبُهُ الخامسَ من مِلوكِ تِلْكَ السُلالةِ.
    وَقَدْ عَثَرْنَا على أمْرٍ آخَرٍ فيه شيءٌ من الطرافةِ عندما أرَدْنَا إثباتَ الوجْهَ الوحيدَ في الاختلافِ بينهُمَا وهو (مدَّةَ الحُكْمِ)، حيثُ نصَّ الإمامُ عليٌّ(ع) على أنَّ حُكْمَ ذي القرْنَينِ دامَ ثلاثين سنةً فَقَطْ، أمَّا حُكْمُ جلجامشَ فَقَدْ حَدَّدَهُ إثباتُ الملوكِ بمائٍة وستةٍ وعشرين سنةً. أقول حيثُ أوْرَدْنا ذِكْرَ هذا الاختلافِ الوحيدِ بينهُمَا وَجَدْنَا أنَّ إثباتَ الملوكِ حَدَّدَ فَتْرَةَ حُكْمٍ لأبنِ جلجامش المسمى (أور ـ لوكال) مقدارُها ثلاثون سنة.
    فَهَلْ تَوَهَّمَ كاتبُ الملحمةِ فَحَسَبَ سِنِيَّ جلجامشَ لولدِهِ لوكال أم أنَّ ذا القرْنَينِ هو أبنُ جلجامشَ لا جلجامشُ ذاتَهُ؟
    فلماذا لم يَبْحَثْ ابنُ جلجامشَ عن (عين الحياة) ويُعِدْ ما قَامَ به أبوه من قَبْلُ؟
    ولماذا لم يَصِلْ إلينا من هذا الابنِ ما وَصَلَ عن جلجامشَ؟
    إنِّي أُرَجِّحُ أنَّ شيئاً من هذا لم يحدثْ. ولكنْ من المُحْتَمَلِ جداً أنْ يكونَ ناسِخُ ثَبْتِ الملوكِ قَدْ أستقلَّ ُمَّدَة حُكْمِ جلجامشَ الشهيرَ وأستَكْثَرَ مُدَّةَ حُكْمِ ابنِهِ الغيرِ مشهورٍ فَحَسَبَ أنَّ الكاتبَ السومريَّ قَدْ أخْطَأَ فقام هو بالتصحيحِ خاصَّةً وأنَّهُ قَدْ نَقَلَ الثَبْتَ عن ألواحٍ أقْدَمَ كانتْ مهشَّمَةً كَمَا ذَكَرَ ذلكَ الناسخُ نَفْسُهُ في التذييلِ. فراجِعْ الأمْرَ في ثَبْتِ الملوكِ من كتابِ طه باقر (مقدِّمةٌ في تأريخِ الحضاراتِ).
    ومِثْلُ هذا الأمرِ كثيراً ما يَحْدِثُ، فَقَدْ عانى التُراثُ الإسلاميُّ القريبُ تاريخياً من مِثْلِ هذِهِ (التصحيحاتِ) المزعجَةِ من النُّسَاخِ.
    أمَّا إذا كانت كِسَرُ الألواحِ لم تتفقْ عِنْدَهُ أصلاً فإنَّ تقديرَهُ هذا مَعَ اعتقادِهِ بضرورةِ فَتْرَةِ حُكْمٍ أكثرَ لِمَنْ هو أشْهَرُ ستكونُ واقعةً حتماً لوجودِ عاملين يساعدان على مِثْلِ هذا التصوّرِ.
     
     
     
     
     
     
    ملاحق الصور التوضيحية
    حسب التسلسل
    الأولى: مجموعة الكواكب السيارة في المجموعة الشمسية
    الثانية: منظر لكوكب زحل من قمره (ميماس)
    الثالثة: جبل الفيض المغناطيسي ويظهر فيه خطوط الفيض والتوائم
    الرابعة: نظرية تكون الفيض المغناطيسي الأرضي
     الخامسة: حلقات زحل
    السادسة: منظر لكوكب زحل وصخور القمر تيتان
     
    avatar
    حسن الشمري

    المساهمات : 30
    تاريخ التسجيل : 21/06/2013
    العمر : 26
    الموقع : بابل

    رد: قراءة جديدة لملحمة كلكامش

    مُساهمة من طرف حسن الشمري في الجمعة يونيو 21, 2013 8:00 pm

    الفَصْلُ الأوَّلُ
     
    رُؤْيَا عَامَّةٌ لِلْمَلْحَمَةِ
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
    الفَصْلُ الثَالِثُ
     
    قِرَاءَةٌ جَدِيْدَةٌ
    في اللَّوْحَيْنِ التَّاسِعِ
    والحَادِي عَشَر
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
     
    الفصل الثاني
     
    تَمْهِيدٌ لِلْكَشْفِ
    عَنْ جِلْجَامِشَ
    avatar
    suzan
    Admin

    المساهمات : 80
    تاريخ التسجيل : 21/06/2013
    العمر : 27
    الموقع : arpil

    شكر وامتنان

    مُساهمة من طرف suzan في الجمعة يونيو 21, 2013 8:12 pm

    مواضيع رائعه وبها من الثافه مايجهله الكثير وخصوصا لحضاره العراق الممتده من الوف السنين

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 7:32 am